الساحر والقبعة

              طاولة مغطاة بإزار أبيض، تتقاطع على مساحته خطوط زرقاء وبيضاء، وضعت وسط الطاولة مئذنة خشبية، فوقها حمامة حزينة ضائعة النظرة، منفوشة الريش، صدى الحذاء سبق حضوره إلى قاعة الفرجة، ووسط ضجيج الهتافات والتصفيق والصفير، خلع بيده اليسرى القبعة السوداء الطويلة التي لا شيء يفصلها عن قبعة الطباخ سوى تلك الدائرة التي تشكل قاعدة القبعة، وباليد اليمنى لوح بعصاه السحرية يمينا ويسارا كالمايسترو، سل من جيبه قطعة كماش سوداء، وضعها على المئذنةثم نقرها بالعصا نقرتين خفيفتين مصحوبتين بصيحات:

* هوبا..هوبا..هوبا.

حين أزاح القماش عن المئذنة، تحولت الحمامة إلى لقلاق، استغرب الساحر، وأصبح وجهه ضاجا بسمات الدهشة والخجل، علم بسرعة أن شيئا ما أفسد خيوط اللعبة، لقد فقد السيطرة الآن على فرجته، وبينما هو غارق في ذهوله، حائر في الخروج من ورطته، إذا باللقلاق يحلق فوق سماء الفرجة هو المتيم بالقمم العالية، كيف له أن يرضى بهذه القمة الوضيعة.ومن المئذنة خرجت حشود من الأطفال ترجم جمهورالفرجة  المكون من الجنود فقط، طلب الجنود من الساحر إيقاف هذه اللعبة، لأن الإيذاء حقيقي والإهانة كذلك، تحولت الفرجة إلى معركة حقيقية، فيها قتلى ودماء وشهداء، فر الساحر وتبعه اللقلاق متوسلا قمة تليق به، ليكتب بيانا يدين الزج به في قمة وضيعة؟ ! ضاع طلبه بين أسئلة السبق الصحفي في شأن حدث القرن.

                                    عزيزي نتشه أنت شاعر

حين رمى نتشه ربطة عنقه على الأرض، فقد أومأ للفلسفة أنه يريد يوما دون  أسئلة، ولما  علق معطفه الأسود على المشجب أومأ لها أيضا برغبة التنصل من عبء الإنسانية، ارتدى لباسا مشجرا وقبعة شمسية طأطأ رأسه ومضى وحيدا يشق لنفسه طريقا بين الحشود التي تملأ الشارع، لم يلتفت الآن وراءه،أدرك أخيرا أنه تجرد من صخب المدينة وفتنة غريمه الإنسان، عبر المسرب الترابي الضيق الملتوي بين الأشجار والأعشاب والزهور البرية، تقدم عميقا ابتسم في خياله لأنه رأى خيول العبارات الجامحة ترعى في الأفق البعيد هادئة، مطمئنة، ذيولها بلا حراك، وآذانها لا تهتز، وخياشيمها لا تفارق الأرض والعشب الأخضر، رغب في النوم فجلس وتوسد جذع شجرة شامخة مورقة وكثيفة الأغصان، تصقل ضوء الشمس العابر لفجواتها، وبينما ينعم بدفء هذا الخدر الناعم تحت جلال هادئ، إذا بنقرات موسيقية جميلة ومزعجة، ترن حوله بقوة وتملأ المكان كله، شحذ يقظته، نظر يمينا وشمالا  يبحث عن مصدر النقرات، رفع رأسه إلى الأعلى، حدق مليا مسترشدا بعينيه وأذنيه في نفس الآن، طار بغتة الطائر النقار واقترب من رأسه وبنقرات أقوى كتب على جذع الشجرة :

” عزيزي نتشه أنت شاعر “

                                          نرجس

دخلت المرآة لأشذب شكلي من الانطباعات القبيحة التي علقتها عليه منذ أمد، يوه؟ لقد نسيت شكلي الأصلي، أين يميني وأين يساري؟ وماهما الرجلان الحقيقيان اللذان أقف عليهما الآن، قلت:

* يا نرجس، ها قد دخلت سماء الأسطورة هيا تشجع، واقتل شكلك في شكلك، فسر متاهتك هو بقاء شكلك في شكلك.

كان ضمير المتكلم قد تحلل في هذا الحلول، ولم يعد لوجوده أي مبرر، ولأن نرجس وحيد ومتوحد، لم ينقذه من متاهته أحد، ظل على حاله إلى أن ملأ الماء المنساب من الصنبور المنزل كله، فطفا أخيرا نرجس على سطحه،وخرج من النافذة إلى السماء، احتشد الناس من ضروب مختلفة أمام منزله قصد العزاء ،تعددت الروايات حول أساب موته. يقول أحد الرواة:

* …لما أدرك نرجس أن الزمن حتما سيدمر مآثره التي زعم لها الخلود ، ففضل المكوث أمام المرآة وقلبه كله كمد على الزمن الذي يجهز دون رحمة على مآثر جماله الفاتن إلى أن حل به الطوفان.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

عدد المشاهدات :744

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*